18 أبريل 2011

ما هي مواصفات الدولة الحديثة؟ موضوع للنقاش. سعيد هادف


1
كشفت التطورات التي أفرزتها انتفاضات الشارع العربي عن عدة مآزق ناجمة بالأساس عن أزمة رؤيوية؛ وهذا ما نلمسه في الحالتين التونسية والمصرية؛ حيث بعد نجاح الانتفاضة في إسقاط النظامين لا يزال الشارع يواصل احتجاجه صونا للثورة من القرصنة، ويشكك في كل الإجراءات التي أعقبت تنحي رموز النظامين السابقين، ولا شيء يوحي أن حلم الثائرين يتوفر على شروط تحققه. الأزمة كما يبدو أزمة معرفة وتمثل لمفهوم الدولة التي نحلم بها. الثائرون، في تونس ومصر، نجحوا في سحب البساط من تحت أقدام نظام تأكدوا من مقاصده المعادية للمجتمع، لقد أرغموه على الانكماش دون أن يعثروا على البديل المنشود. بفضل الثوار وصلت دائرة السلطة أطراف كانت مقصاة، وأصبحت شريكة لما تبقى من النظام السابق. الثوار متيقنون أن تحالفا ما يتشكل حول السلطة، ومتيقنون أن هذا التحالف لا يفضي إلى التغيير المنشود، لذلك صمموا على مواصلة الاحتجاج. فمن أجل ما ذا يحتجون؟ إنهم يحتجون من أجل تحقيق مطالبهم. ما هي مطالبهم؟ ومن يحققها؟ تتلخص مطالبهم في دولة تحترم الحقوق والحريات، وتسهر على توفير شروط حياة كريمة. لكن من يحقق هذه المطالب؟ أي من يبني هذه الدولة المنشودة؟ هل لدى الثوار نموذج لهذه الدولة في أذهانهم؟ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه؟؟

2
إن قوة الديمقراطية تكمن في ارتباطها الجدلي والعضوي بالتجارب الحياتية من جهة ومن جهة أخرى، بجعل هذه التجارب في دائرة التأمل العقلاني الإنساني: فلسفيا، أخلاقيا وقانونيا؛ ومن الخطأ كما أنه من التضليل ذلك الاعتقاد أن الديمقراطية تقتضي نوعا متميزا من الوعي يختلف عن وعي عامة الناس. إن غياب الكفاءة والعزيمة، و التعالي عن الواقع، وعدم القدرة على الاندماج و التواصل مع المحيط الاجتماعي لدى بعض النخب ظل عاملا من عوامل الادعاء أن الديمقراطية غير ممكنة وأن شروطها لم تتوفر بعد. إن الشرط الوحيد، الشرط المؤسس لأي نظام ديمقراطي هو الدستور المنبثق من صلب الشعب عبر نخبه بكل مشاربها وانتماءاتها وتطلعاتها. و"إن قدرة الإنسان على أن يكون عادلاً تجعل الديمقراطية ممكنة- يقول اينولد نيبور - لكن نزوعه للظلم يجعل الديمقراطية ضرورية".
3
لست فقيها في القانون، ولا مختصا في العلوم السياسية، وكمثقف يحاول فهم المعضلات التي تعانيها البلدان العربية، يبدو لي، أن المعضلة في المسار السياسي العربي، كانت ولا تزال في تبني نظريات ومفاهيم دون الإحاطة بالتطورات التي صاحبتها، وقد ظلت "الدولة" و"الديمقراطية" و "المواطنة" و"المجتمع المدني" من المفاهيم الأكثر تمنعا على الفهم، ومرد ذلك في نظري، إلى محدودية الحرية والخيال والإبداع لدى النخبة العربية؛ فـ"الدولة" مثلا، مفهوم مافتئ يتطور، من مكان إلى مكان، ومن زمن إلى آخر، غير أن النخبة العربية بقيت أسيرة فهم نمطي تجاوزه التاريخ. إن النخبة العربية التي لم تدخر جهدا في نقل المعارف والعلوم إلى شعوبها، واجتهدت وأبدعت وضحى بعض مفكريها ومثقفيها بكثير من الامتيازات حبا في المعرفة، ومع ذلك فكل المحاولات الرامية إلى الإصلاح والتغيير والتجديد اصطدمت بعوائق حالت دون تحقيق أهدافها، كما لو أن السير كان في الطريق الخطأ.
4
ورد في كتاب "مفهوم الدولة" لعبد الله العروي مايلي: "في بداية القرن الماضي (القرن التاسع عشر)، كان المفكرون يتوخون تمثل – لا نقول تعريف- الدولة العصرية. وكانت الظروف الموضوعية مواتية تماما آنذاك حيث كانت الأحداث تقدم لهم، وبكيفية درامية، صراعا بين فرنسا النابليونية (المثل الإيجابي) وأوروبا الأرستقراطية (المثل السلبي). كانت هكذا المقابلة الضرورية لبلورة الفكر السياسي ظاهرة للعيان.
إن المؤرخين المتخصصين- يضيف كتاب "مفهوم الدولة" يلحون على أن الدولة النابليونية لم تتعارض كل التعارض مع الدول الأوروبية الأخرى، حيث أن نابليون ورث الكثير من تنظيمات الملكية المطلقة، التي لم تستطع الثورة أن تقضي عليها في ظرف وجيز، كما أن بروسيا وروسيا وحتى النمسا عرفت في القرن السابق إصلاحات عميقة تحت ما سمي بالاستبداد النيّر، زيادة على أن تلك الدول استفادت أثناء الصراع من الإبداعات الفرنسية.
إن ما أثار استغرابي في كتاب المفكر عبد الله العروي، هو اقتصاره على أوروبا وبشكل خاص على التجربة النابليونية، ولم يتطرق إلى التجربة الأمريكية. ولم أفهم سبب هذا التجاهل. لقد اعتمد على عدد من المفكرين الأوروبيين: هيغل، كارل ماركس، فريدريك إنكلز وماكس فيبر...، ولا أستطيع الجزم إن كان هؤلاء، أهملوا أيضا، في أبحاثهم، التجربة الأمريكية.
5
بعد أن قرأت تاريخ أمريكا، اتضح لي أنها بلد لا يحمل صفة "الدولة"، وأن "الدولة" تختلف لدى الأمريكان مفهوما ووظيفة، وهذا ما جعلهم يبتكرون كيانا اتحاديا، أطلقوا عليه اسم: United States of America، أي "الدول الأمريكية المتحدة".
إن المصطلح الانكليزي (State)، المترجم إلى الفرنسية(Etat)، كلاهما يعني (الدولة) و ليس (الولاية). ومادام معجمنا العربي يتوفر على هذه الكلمة (الدولة) فلماذا أشاح المترجم العربي عنها، وحرّف اسم كيان سياسي، أثبت التاريخ أنه لم يكن مجرد ولايات؟ يبدو أن المترجم لم يكن مؤهلا، وهو معذور. ولكن أن يتم تكريس هذا التحريف على أوسع نطاق عربي، زمانا ومكانا، فهذا ما لا يمكن استساغته.

إلى غاية 1776، لم تكن هناك مستعمرة واحدة في ظل التاج البريطاني، بل كانت مستعمرات بالجمع، لكل مستعمرة حدودها وعملتها. وهذا يدل على أن تلك المستعمرات كانت دولا ولم تكن ولايات.
- ثارت هذه المستعمرات ضد التاج البريطاني، وفي ذات الوقت دخلت في نقاش حول تصور للكيان السياسي المفترض تأسيسه عند الاستقلال، وبلا شك أنها عندما ارتضت الاتحاد، فإنما اتحدت كدول في نظام فدرالي، وهي بذلك دول متحدة، إذ لا يعقل أن يكون الاتحاد بين الولايات. فالجزائر مثلا تتكون من ولايات، والمغرب أيضا، فهل هذا يعني أن الجزائر أو المغرب "ولايات غير متحدة"، فلا معنى أن نسمي دولة ما بالولايات المتحدة، فكل الدول القطرية هي متحد من الولايات.
- يبدو أن المؤسسين الأوائل للدول المتحدة الأمريكية، كانوا يتمتعون ببعد النظر وبعبقرية تجاوزت نظام الدولة الوطنية كنمط سياسي أوروبي في تلك المرحلة، فاجتهدوا وأبدعوا دستورا ديمقراطيا متطورا ونظاما مختلفا، تمثل في نظام فدرالي، أصبح في ما بعد محل استلهام عدد من الدول. كان هدفهم تجاوز نظام الدولة إلى نظام الفدرالية (اتحاد اندماجي لمجموعة من الدول، كل دولة تحافظ على استقلالها، وفي الوقت ذاته، تخضع للحكومة الفدرالية).

- البند العاشر من القانون يقول:"إن هذا الاتحاد يبقى مفتوحا على كندا" و كندا ليست ولاية، بل دولة. وما دام الأمر كذلك فهذا يعني أن الاتحاد كان مفتوحا على أي دولة في الجوار.
وحتى إذا سلمنا أن "الولاية" مفهوم متكافئ مع نظيره الانكليزي " State"، فلماذا العرب وحدهم يصفون أمريكا بـ"الدولةّ"؟ السبب هو أنهم لم يدركوا التحول الذي خضع له هذا المفهوم، ولم يستسيغوا كيف تكون هناك "دولة" بلا جيش وعملة وتمثيل دبلوماسي، ولم يدركوا أن الحكومات المحلية يجب أن تكون أكثر قربا من الشعب، ومهمتها الأساسية هي الانشغال بمصالح الشعب، وما عدا ذلك فهو مهمة الحكومة الفيدرالية؛ فمفهوم "الدولة" الذي استقر في أذهاننا، ولم نقبل بغيره بديلا، هو "الدولة القطرية" الوطنية، وهو مفهوم بائد، وهذا ما جعل أوروبا تعمل من أجل التخلص منه.
الخطاب العربي، السياسي والإعلامي، يستعمل، دون تدقيق، كلمة الدولة، بمناسبة وبدون مناسبة، ولا يستعمل كلمة "البلد" والقطر" إلا نادرا، كما نجد تعابير من قبيل "المنتظم الدولي" و"القانون الدولي" و"العلاقات الدولية" وهي تعابير، يبدو لي، خاطئة، ومن المحبذ أن نستعمل بدلها صفة "الأممي" أو "العالمي".
6
فالمؤسسون للفدرالية الأمريكية عمقوا من مفهوم الدولة على مستويين:
المستوى الأول/داخلي: أن تتخفف الدولة من بعض الأعباء، حتى تتفرغ للمواطن وانشغالاته وتكون قادرة على تدبير وتأثيث محيطه الحيوي القريب، وذلك من خلال حكومة محلية تدير شؤون الدولة.
المستوى الثاني/خارجي: لايمكن للدولة أن تنجح منفردة في تحقيق المقاصد المنوطة بها، وهذا ما يحتم عليها الانتماء إلى دول أخرى بالمواصفات ذاتها وهو اتحاد اندماجي قائم على التضامن والتعاون، يكسبها المنعة والقوة إزاء الأخطار الخارجية.
ويبدو أن النخبة العربية، لم تنتبه إلى هذه التطورات ما جعلها تنظر إلى أمريكا كنظرتها لأي دولة، ولم تستسغ أن هذا الكيان هو "دول متحدة" فاكتفت بتسميته "ولايات متحدة".
الدول الأوروبية، وبعد الحرب العالمية الثانية، انخرطت في بناء اتحادها عبر إعادة بناء فهمها للدولة في ضوء التجربة الأمريكية؛ حيث عملت على مستويين:
الأول: إعادة الاعتبار للشأن الجهوي والخروج من سياسة التمركز.
الثاني: اتحاد البلدان الأوروبية.
7
إن هذا الفهم العربي القاصر، تولد عنه جهل بالسياسة والتاريخ، كما تولد عنه تعسفٌ على المفاهيم والنظريات وانعكس ذلك على جميع المجالات وأحاط بحالة من الالتباس والارتباك كل المشاريع النهضوية والإصلاحية والاتحادية العربية، مما حرم الشعوب العربية من الاندماج في عصرها والتمتع بثروات بلدانها.
فنظام الحكم الديمقراطي يحتاج إلى مشروع حضاري متكامل، يستمد قوته من عمق رؤيته الدستورية للإنسان ومحيطه، وترويضه للدولة مفهوما ووظيفة.
الشارع العربي اليوم ينتفض ضد الأنظمة التي حرمته من الحريات والحقوق، وقد أبلى بلاء سلميا، من أجل هذا المقصد، في حين تعاطت الأنظمة مع انتفاضته باستخفاف، وأحيانا بشكل همجي؛ بينما النخب بدت شبه عاجزة عن مواكبة هذه الانتفاضات وقاصرة عن ابتكار بدائل ديمقراطية كفيلة بتحقيق حلم الشارع، كما دخلت على الخط تيارات غامضة متطرفة قد تشوش بتدخلها اللاعقلاني على شرعية هذه الانتفاضات.
السؤال: في ضوء ما تقدم، لماذا لم تتمثل النخب العربية المؤمنة بالتغيير، طيلة سنوات الاستقلال، بشكل صحيح مفهوم الدولة الحديثة؟ وهل تتوفر ثورة الشارع العربي، على الشروط المؤسسة للدولة المنشودة؟

ليست هناك تعليقات: