11 ديسمبر 2011

محاولة إفشال حكومة بنكيران قد تجر البلاد إلى ما لا تحمد عقباه /محمد شركي


 من المعلوم أن جهات عدة في الداخل والخارج تتمنى من أعماق قلبها لو أن حكومة بنكيران تقف عاجزة عن تسيير شؤون البلاد . ففي الخارج يتوجس الغرب من جميع الأحزاب الإسلامية التي أفرزها الربيع العربي ، بعد أن تهاوت الأنظمة البوليسية المستبدة في بعض البلاد العربية ، وهي أنظمة كانت تخدم مصالح الغرب وإسرائيل بامتياز ، وهو أمر لا يمكن أن يحلم به الغرب مع وصول الأحزاب الإسلامية إلى مراكز صنع القرار ، وهي أحزاب راهنت عليها الشعوب من أجل القطيعة مع الفساد بشتى أنواعه بدءا بالفساد السياسي ، وهو أصل كل فساد . وفي الداخل تردد قوى سياسية مخاوف الغرب المتوجس من حكم الإسلاميين ،
وهي قوى كان القرار بيدها لعقود ، ولم تستطع أن تقضي على الفساد ، إن لم نقل كانت هي حاضنة الفساد ، أو صانعته ، أو على أقل تقدير الساكتة عنه سكوت الشيطان الأخرس . ومع أنها تعتبر مسؤولة مسؤولية مباشرة وأخلاقية عن الفساد الذي ثار ضده الربيع العربي ، فإنها لا تستحي من ترويج الإشاعات المغرضة ضد الإسلاميين بعدما خاضوا اللعبة الديمقراطية وفق قواعد هذه الأحزاب التي يبدو أنها لا تعترف باللعبة إلا إذا كانت هي الطرف الرابح فيها ، أما إذا كان الرابح غيرها، فإنها تمارس التشكيك في كفاءاته وقدراته ، لأنها لا تستطيع التشكيك في قواعد اللعبة هذه المرة . وحتى هذه القواعد ارتفعت بعض الأصوات عندنا للتشكيك فيها بحيث زعم البعض أن الإسلاميين الذين أعلنوا مقاطعتهم للانتخابات قد شاركوا بالفعل فيها إلى جانب الحزب الفائز ، وكانوا هم سبب نجاحه. فالنفور من المشاركة في حكومة بنكيران من طرف بعض الجهات يعتبر مناورة مكشوفة من أجل إحراجه ، والترويج لعجزه عن تكوين حكومة قادرة على تسيير شؤون البلاد . وإذا عدنا إلى تجربة الذين يفاخرون اليوم بعدم المشاركة في حكومة بنكيران ، لا نجد من كان يشكك في قدرتهم على تشكيل حكومة ، مع أن حكوماتهم كانت فاشلة بامتياز، والدليل الدامغ على ذلك ، هو ما آلت إليه البلاد بسبب سياستهم الفاشلة . والمعروف أن المشاركة في الحكومة أو معارضتها يقوم أساسا على اختلاف الايديولوجيات والبرامج السياسية المنبثقة عنها . والذين اختاروا خيار المعارضة بوصول الإسلاميين إلى مركز صنع القرار لا يقبلون إطلاقا أن يكون الإسلام حكرا على غيرهم ، بل يتهمون من ينتسب إليه بأنه يستغله ، ويركبه لما يسمونه أغراض سياسوية ، مع أن إيديولوجية بعضهم ليس بينها وبين الإسلام عمليا سوى الخير والإحسان كما يقال ، بل هي على الطرف النقيض للإسلام ، ومع ذلك لا ينجو المرء من ألسنتهم الحداد إذا ما ذكرهم مجرد التذكير بالتباين الواقع ـ وليس التخيل ـ بين إيديولوجيتهم اليسارية الاشتراكية أو الشيوعية وبين الإسلام علما بأنهم يتعسفون في التقريب بين أمرين بينهما من الفروق ما بين بعد السماء عن الأرض . وكم من قرارات مسيئة للمشاعر الإسلامية أصدروها يوم كانت زمام الأمور بيدهم ، وكم من وشاية وتحريش مارسوه ضد الإسلاميين على اختلاف أنواعهم سواء المحسوب منهم على التطرف ، أو المحسوب على الاعتدال . وكم عبروا عن حقدهم على الإسلاميين عبر وسائل الإعلام نكاية فيهم في ظروف محاربة الغرب لما يسمى الإرهاب تقربا وتزلفا للغرب ، وانبطاحا له ، وللكيان الصهيوني من ورائه الذي يحشر المقاومة الفلسطينية الإسلامية في خانة الإرهاب ، وهو أمر حل إشكال تعريف الإرهاب حسب الفهم الغربي الصهيوني ،ذلك أن الإرهاب هو كل توجه يعادي قيام الدولة الصهيونية فوق الأرض العربية الفلسطينية ، وكل من يؤيد ذلك يحسب على الإرهاب . حين كانت الأمور بيد الأحزاب ذات الإيديولوجيات الشرقية والغربية الغريبة عن الإسلام لم يتخوف الإسلاميون يومئذ من آثار هذه الإيديولوجيات السلبية على الإسلام في واقع البلاد والعباد، لأنهم كانوا مطمئنين بأن الأمة على فطرة الإسلام مهما اعتراها من تأثيرات غريبة عنه عابرة . ويوم آلت الأمور إلى الإسلاميين كثر الحديث عن المخاوف والتوجسات من سياستهم ، وكأن الإسلاميين قد وصلوا إلى سدة الحكم في الاتحاد السوفياتي سابقا أوفي الصين ، أوفي إحدى الدول الغربية . ولا زال رئيس الحكومة الجديد يخصص جانبا من تصريحاته الإعلامية لطمـأنة المتوجسين في الداخل والخارج من أنه لن يسوس البلاد سياسة ذلك الإسلام الذي يخشى جانبه . وما بقي له بعد أن صرح بأنه لن يفرض التدين على أحد من لباس أو لحية إلا التصريح بأنه سيسمح بالردة والخروج من الدين ،ليصير مقبولا عند المعارضين ، والمتوجسين في الداخل والخارج. وقد بدأت الاستفزازات ـ وكانت من قبل ـ من قبيل الكشف عن السيقان ، ومعاقرة أم الدنان ، والمجاهرة بالبوائق لسبر حساسية الحكومة الإسلامية المقبلة بغرض إحراجها . وعلى هذه الحكومة أن تتوقع خروج الشواذ والمومسات ، والمفطرين في رمضان ، والسكارى ، والمقامرين ، وأصحاب الغش والرشوة في مظاهرات تدين القمع الإسلامي للحريات العامة والفردية ، مع أنه في عهد الحكومات السابقة ذات الإيديولوجيات التي يتبرأ منها الإسلام لم يخرج أحد للتظاهر ضد هؤلاء ، ولا ضد الإعلام الذي قلل العفة على المغاربة ببرامجه التي يندى لها القفا قبل الجبين . والذين يحاولون التضييق على بنكيران ، والتشكيك في قدرته على تشكيل حكومة قادرة على تسيير شؤون البلاد يسقطون من حساباتهم فرضيات خطيرة أخطرها أن ينسحب حزب بنكيران من اللعبة السياسية جملة وتفصيلا ، ويعيد سيناريو الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر المجاورة مع فارق واضح في الظروف بين الأمس واليوم حيث بركان الثورات الشعبية لم يخمد بعد ، ولن يخمد حتى تطمئن الشعوب بأن الفساد قد رحل عنها بالفعل ، خصوصا أن نصف الشعب عندنا قاطع الانتخابات ، وقد يلحق به في المقاطعة من شارك فيها إذا ما أحس بأن جهات ما تحاول عرقلة تجربة الإسلاميين لتسيير لشؤون البلاد . إن المعارضين والمتوجسين في الداخل والخارج من الحكومات الإسلامية في البلاد العربية يحاولون تجاهل إرادة الشعوب التي اختارت الإسلام حلا لمحاربة الفساد . فالإسلام الذي حارب الفساد عبر التاريخ ، واختاره الله عز وجل لإصلاح الأرض بعد فسادها ، سيبقى دائما هو الحل بغض الطرف عمن يتبناه لأن الفضل لا يرجع لمن يتبناه بل يرجع إليه في حد ذاته . محمد شركي

ليست هناك تعليقات: